أخلاق
ما عزّ المرء؟(1)
عن يحيى بن يعمن [نعمان خ ل] قال: كنت عند الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّماً أسمر شديد السمرة، فسلّم فرد [عليه] الحسين (عليه السلام)، فقال: يابن رسول الله مسألة. قال:
هات.
قال: كم بين الإيمان واليقين؟
قال: أربع أصابع.
قال: كيف؟
قال: الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه، وبين السمع والبصر أربع أصابع.
قال: فكم بين السماء والأرض؟
قال: دعوة مستجابة.
قال: فكم بين المشرق والمغرب؟
قال: مسيرة يوم للشمس.
قال: فما عزّ المرء؟
قال: استغناؤه عن الناس.
قال: فما أقبح شيء؟
قال: الفسق في الشيخ قبيح، والحدّة في السلطان قبيحة والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغناء، والحرص في العالم.
قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل.
قال: فسمّهم لي.
قال: فأطرق الحسين (عليه السلام) مليّاً رفع رأسه فقال: نعم اخبرك يا أخا العرب، انّ الإمام والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) [أبي] أمير المؤمنين عليّ بن أبيطالب (عليه السلام) والحسن وأنا وتسعة من ولدي، منهم عليّ ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان.
قال: فقام الأعرابي وهو يقول:
مســـح الــنبيّ جــــبــــينــه فلـــه بــريـــق فــي الخدود
أبـــــــواه مــن أعلا قريش وجــــــــدّ خــــــير الجــــدود
أحذر عقوق الوالدين(2)
كنت مع عليّ بن أبيطالب (عليه السلام) في الطواف ليلة ديجوجة(3) قليلة النور وقد خلا الطواف ونام الزوّار وهدأت العيون إذ سمع مستغيثاً مستجيراً مترحّماً بصوت حزين من قلب موجع وهو يقول:
يــا من يجيب دعاء المضطّر في الظلم يا كاشف الضــــرّ والبــلوى مع السقم
قــــد نــام وفدك حـــول البيت وانتبهوا يدعـــــو وعـــينك يـــا قـــيّوم لـــم تنم
هب لي بجودك فضل آلعفو عن جرمي يا مـــــن أشــار إليه الخلق في الحرم
إن كـــــان عفوك ﻻ يلــــقاه ذو سرف فمــــن يــــجود عـلى العاصين بالنعم؟
قال الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما: فقال لي أبي: يا أبا عبد الله أسمعت المنادي لذنبه المستغيث ربّه؟
فقلت: نعم قد سمعته.
فقال: اعتبره عسى أن تراه فما زلت أختبط في طخياء(4) الظلام وأتخلّل بين النيام فلمّا صرت بين الركن والمقام بدا لي شخص منتصب، فتأمّلته فإذا هو قائم.
فقلت: السلام عليك أيّها العبد المقرّ المستغفر المستجير، أحب بالله ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسرع في سجوده وقعوده وسلّم فلم يتكلّم حتّى أشار بيده بأن: تقدّمني، فتقدّمته فأتيت به أمير المؤمنين فقلت: دونك هاهو، فنظر إليه فإذا هو شابّ حسن الوجه، نقيّ الثياب، فقال له: ممّن الرجل؟
فقال له: من بعض العرب.
فقال له: ما حالك وممّ بكاؤك واستغاثتك؟
فقال: ما حال من اخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب وغمره الإكتئاب، فإن تاب فدعاؤه ﻻ يستجاب.
فقال له عليّ (عليه السلام): ولم ذاك؟
فقال: إنّي كنت ملتهياً في العرب باللّعب والطرب، أُديم العصيان في رجب وشعبان، وما اُراقب الرحمن وكان لي والد شفيق رفيق يحذّرني مصارع الحدثان ويخوّفني العقاب بالنيران، ويقول: كم ضجّ منك النهار والظلام واللّيالي والأيّام والشهور والأعوام والملائكة الكرام، وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته ووثبت عليه وضربته، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق وكانت في الخباء(5)، فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه فما نعني عن أخذها، فأوجعته ضرباً ولوّيت يده(6) وأخذتها ومضيت، فأومأ بيده إلى ركبته يريد النهوض من مكانه ذلك فلم يطق يحرّكها من شدّة الوجع والألم فأنشأ يقول:
جــــــرت رحـــم بيـــني وبــــين منازل سواء كـــــــما يســـتنزل القـطر طالبه
وربّيــــــت حــــتّى صار جلداً شمر دلاً إذا قام ساوى غارب العجل غاربه(7)
وقــــد كــنت اوتيه من الزاد في الصبا إذا جاع مــــــنه صــــــفوه وأطائـــــبه
فلمّا اســـــتوى فـــي عنــــفوان شبابه وأصبـــــح كالرمح الردينيّ خاطبه(8)
تـــــهضّمني مــالي كذا ولوي يدي(9) لـــــوى يـــــده الله الذي هـــــو غالبه
ثم حلف بالله ليقد منّ إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ، فصام أسابيع وصلّى ركعات ودعا وخرج متوجّهاً على عيرانة(10) يقطع بالسير عرض الفلاة ويطوي الأودية ويعلو الجبال حتّى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر، فنزل عن راحلته وأقبل إلى بيت الله الحرام، فسعى وطاف به وتعلّق بأستاره وابتهل بدعائه وأنشأ يقول:
يـــــا مـــــن إلـــــيه أتــــى الحجّاج بالجهد فوق المــهادي من أقصي غاية البعد(11)
إنـّي أتيـــتــــــك يـــــا مـــــن ﻻ يخيّب مـن يـــدعـــــوه مبــــــتهلاً بــــالواحــــد الصمد
هـــــذا مـــــنازل مـــن يــــرتاع من عققي فخذ بحــــــقّي يـــــا جــبّار مـــــن ولــــدي
حـــــتّى تــــــــشــــلّ بعـــــون منـــك جانبه يــــــا مـــن تـــقدّس لــم يـــولد ولـــــم يلد
قال: فو الّذي سمك السماء وأنبع الماء ما استتمّ دعاءه حتّى نزل بي ما ترى ثمّ كشف عن يمينه فإذا بجانبه قد شلّ، فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو لي في الموضع الّذي دعا به عليّ فلم يجـــبني، حتّى إذا كـــان العـــام أنعــــم عـــليّ فخرجـــت به عـــلى ناقة عشراء(12) اجدّ السير حثيثاً رجاء العافية، حتّى إذا كنّا على الأراك وحطمة وادي السياك نفر طائر في اللّيل فنفرت منها الناقة الّتي كان عليها، فألقته إلى قرار الوادي فارفضّ بين الحجرين فقبرته هناك، وأعظم من ذلك أنّي ﻻ اعرف إلاّ المأخوذ بدعوة أبيه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أتاك الغوث أتاك الغوث، ألا اعلّمك دعاء علّمنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيه اسم الله الأكبر الأعظم الأكرم الّذي يجيب به من دعاه، ويعطي به من سأله، ويفرّج به الهمّ، ويكشف به الكرب، ويذهب به الغمّ، ويبرئ به السقم، ويجبر به الكسر، ويغني به الفقير، ويقضي به الدين ويردّ به العين، ويغفر به الذنوب، ويستر به العيوب؟ إلى آخر ما ذكره (عليه السلام) في فضله.
قال الحسين (عليه السلام): فكان سروري بفائدة الدعاء أشدّ من سرور الرجل بعافيته.
ثمّ ذكر الدعاء على ما سيأتي في كتابه، ثمّ قال للفتى: إذا كانت اللّيلة العاشرة فادع وائتني من غد بالخبر.
قال الحسين بن عليّ (عليه السلام): وأخذ الفتى الكتاب ومضى، فلمّا كان من غد ما أصبحنا حسناً حتّى أتى الفتى إلينا سليماً معافى والكتاب بيده وهو يقول: هذا والله الإسم الأعظم استجيب لي وربّ الكعبة.
قال له عليّ صلوات الله عليه: حدّثني.
قال: لمّا هدأت العيون بالرقاد واستحلك(13) جلباب اللّيل رفعت يدي بالكتاب ودعوت الله بحقّه مراراً، فأُجبت في الثانية: حسبك فقد دعوت الله باسمه الأعظم، ثمّ اضطجعت فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي وقد مسح يده الشريفة عليّ وهو يقول: احتفظ بالله العظيم، فإنّك على خير، فأنتبهت معافى كما ترى فجزاك الله خيراً.
مع المساكين(14)
مرّ الحسين بن علي (عليه السلام) بمساكين قد بسطوا كساءاً لهم فألقوا عليه كسراً فقالوا: هلمّ يابن رسول الله… فأكل معهم، ثم تلى: (انه ﻻ يحب المستكبرين)(15). ثم قال:
قد أجبتكم فأجيبوني.
قالوا: نعم يابن رسول الله وتعمى عين، فقاموا معه حتى أتوا منزله.
فقال للرباب: اخرجي ما كنت تدّخرين.
مع اسامة(16)
دخل الحسين (عليه السلام) على اسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: واغمّاه. فقال له الحسين (عليه السلام):
وما غمّك يا أخي؟
قال: ديني وهو ستّون ألف درهم.
فقال الحسين: هو عليّ!
قال: إنّي أخشى أن أموت.
فقال الحسين: لن تموت حتّى أقضيها عنك.
قال: فقضاها قبل موته.
التعامل مع السائل(17)
قدم أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدلّ على الحسين (عليه السلام)، فدخل المسجد فوجده مصلّياً فوقف بأزائه وأنشأ:
لــــــم يـــخب الآن مـــن رجـــاك ومن حـــــــرّك مــــــن دون بـــــابك الحلقة
أنــــــت جــــــواد وأنـــــت معـــــــــتمد أبــــــوك قـــــد كـــــان قــــاتل الفسقة
لـــــولا الّــــــذي كــــــان مـــن أوائلكم كــــــانت علــــــينا الجـــــحيم منـطبقة
قال: فسلّم الحسين وقال:
يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شيء؟
قال: نعم أربعة آلاف دينار.
فقال: هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا، ثم نزع برديه ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابي وأنشأ:
خــــــذها فــــــإنّي إليـــــك معـــــــتـذر واعــــــــلم بـــــأنّي عــــليك ذو شفقة
لــــو كــــان في ســـــيرنا الغداة عصا أمســــــــت ســــــــمانا علـــيك مندفقة
لكــــنّ ريــــب الـــزمــــان ذو غيـــــر والكــــــفّ مــــــنّي قـــــلــــيلة النــفقة
قال: فأخذها الأعرابي وبكى.
فقال له: لعلّك استقللت ما أعطيناك؟
قال: ﻻ، ولكن كيف يأكل التراب جودك.
موقف العظماء
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |